ابن بسام

229

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

الزمان إن رشدا فرشدا وإن غيّا فغيّا ، وتجاهل ما قبلك جاهل ، وتحامق مع الحمقى فإنك عاقل ، ولا تمنع [ 1 ] لذة الاسترسال ، من أجل القيل والقال ، ولا تتعبّد للدنيا بخدمتها [ 2 ] في كلّ الأحوال [ 3 ] ، فما أشبه إدبارها [ 4 ] بالإقبال ، وكثرتها بالإقلال ، إذا فكرت في البدء منها والمآل . ومن أخرى : لشدّ ما ألهتك الدنيا أبا عليّ بإقبالها ، وشغلتك بأحوالها ، فما تفكّر في صلة ، ولا تبتدئ بمكاتبة ، أو تراجع عن / مخاطبة ، ومن أين تجد سبيلا إلى ذلك وزمانك كله مقسّم [ 5 ] في أشغال ، ومرتّب على أحوال ، تنام بالضحى [ 6 ] مثقلا من السكر ، وتتململ على فراشك إلى الظهر ، حتى يتكرر رسول فلان [ 82 أ ] فيوقظك من المنام ، ويحرّكك إلى القيام [ 7 ] ، ثم تركب وتجد المائدة موضوعة ، والأيدي لإبطائك مرفوعة ، فتدنو من الطعام بكسل ، وأنت شاك من بقايا خمار أو ثمل ، وتخدش من الخبز [ 8 ] بظفرك ، وتأكل شيئا لطيفا على قدرك ، ثم تستلقي وتتمدّد ، وتتثاءب وتتوسّد ، وتستحضر جنّانك فتسأله عن الجنّة متى سقاها ، والروضة إن كان روّاها ، والأزهار هل تحفّظ بها وجناها ، وبينا أنت في ذلك يستأذن عليك وكيلك في ضياع الإنزال ، فتأذن له في الدخول ، ثم تستفهمه متى أقبل ، وأيّ شيء عمل ، وكم جمع ، وما زرع ، وتتعلّل بهذه العلل والأخبار ، حتى تنقضي بقيّة النهار ، ثم تنتشط [ 9 ] لتستدفع شرب الماء ، في ودّ أحد الرؤساء ، وتقيم من بعد دست الأنس ، حتى تعود في مثل ذلك الأمس ، فمتى تتفرغ مع هذا للصديق ، وكيف تتمكن من قضاء حقوق ؟ ! وأيضا فإن السياسة تقتضي أن تعرض عن ذكر مثلي ، وتلعن وقتا وصلت به حبلي ، لا سيّما وقد دهيت من جهتي ، وكاد السلطان يجفوك من أجل خلطتي ، أنت لعمري في أوسع العذر ، فاجر مع الدّهر .

--> [ 1 ] العطاء : فلا تمتنع من . [ 2 ] ط د : بخدمتك . [ 3 ] العطاء : واتبع الدنيا بخدمتك في سائر أحوالها . [ 4 ] العطاء : أحوالها . [ 5 ] د ط : مقسوم . [ 6 ] د ط : الضحى . [ 7 ] د ط : للقيام . [ 8 ] ط د : وتخدش الخبز . [ 9 ] د ط : تنشط .